ابن قيم الجوزية

494

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

المقصود إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلّت ونسيت ، فلما كان الضلال سببا للإذكار ، جعل موضع العلة ، كما تقول : أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط ، فأدعمه بها ، فإنما أعددتها للدعم ، لا للميل ، وأعددت هذا الدواء أن أمرض ، فأتداوى به ، ونحوه ، وهذا قول سيبويه والبصريين . قال أهل الكوفة : تقديره : كي تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت ، فلما تقدم الجزاء ، اتصل بما قبله ، ففتحت أن . قال الفراء : ومثله قوله : ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى . معناه : ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل ، لأنه إنما يعجبه الإعطاء ، لا السؤال ، ومن ذلك قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ( 173 ) [ الأعراف ] فذكر سبحانه من حكم أخذ الميثاق عليهم أن لا يحتجوا يوم القيامة بغفلتهم عن هذا الأمر ، ولا بتقليد الأسلاف ، ومنه قوله : وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ( 70 ) [ الأنعام ] فالضمير في به للقرآن ، وأن تبسل ، في محلّ نصب على أنه مفعول له ، أي : حذار أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب ، وترتهن بسوء عملها . فصل النوع السادس : ذكر ما هو من صرائح التعليل ، وهو « من أجل » كقوله مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ